دولة الضبط: من التفاوت إلى الترويض الحضري #8
- Ezzat Baghdadi
- 2 يونيو 2025
- 5 دقيقة قراءة
افتتاحية الفصل الثالث I دولة الضبط: من التفاوت إلى الترويض الحضري I سلسلة التحول الحضري في الدول التي شهدت استعماراً - دمشق نموذجاً
فيديو أرشيفي يوثّق بناء حي المزة في دمشق خلال الوحدة السورية–المصرية كمثال على التوسع الرسمي للدولة.
عندما تبنّت الدولة السورية خيار التأميم في ستينيات القرن العشرين، لم تكن تعيد توزيع الثروة فقط، بل كانت ترسم خرائط جديدة للعيش، تُقصي فيها البعض وتُدمج آخرين، لا على أساس الحاجة أو الإنتاج، بل على أساس السيطرة. فقد كان التأميم في ظاهره إجراءً اقتصاديًا، لكنه في عمقه مشروع سياسي عمراني، أعاد تعريف العلاقة بين السكان والمكان، بين الفضاء والدولة.
الفصل الثالث من هذه السلسلة لا يروي تاريخاً بل يفكك نتيجة: كيف أن التأميم، بسياساته الزراعية والصناعية، لم يُنتج عدالة اجتماعية كما وعد، بل مهّد لبروز فضاء عام غير رسمي، بات اليوم الساحة الكبرى لصراع السكان مع السلطة، والعمران مع الاضطراب، والمعيشة مع القهر.
وقبل أن ندخل هذا الفصل ونسبر أغوار الفضاء غير الرسمي، لا بد أن نمرّ سريعًا على تحولات دمشق الحضرية التي ظهرت بعد التأميم، ليتكامل المشهد بين التمدد الرسمي الذي قادته مؤسسات الدولة ووزاراتها، والتمدد غير الرسمي الذي نشأ من فشل تلك المؤسسات في استيعاب السكان وتلبية حاجاتهم.
لن نتعمق هنا في تحليل التجربة الرسمية التي امتدت من 1958 حتى عام 2000، لكن سنرسم حدًّا فاصلًا يُظهر كيف نشأ فضاءان متوازيان: أحدهما بُني بالأمر الإداري والموازنة العامة، والثاني نبت من الحاجة والحرمان، وظل دائمًا خارج التمثيل. الفصل الثالث سيخصص بالكامل لهذا الفضاء الثاني: الفضاء غير الرسمي.
✦ التمدد الرسمي: حين بنت الدولة المدينة بالولاء لا بالإنتاج
منذ أواخر الستينيات وحتى نهاية القرن، تحوّلت سوريا إلى دولة بلا قطاع خاص حقيقي، ولا زراعة منتجة، ولا صناعة تنافسية. لكنها كانت مليئة بالحواجز، ومفاتيح السكن، وبطاقات الوقود والتموين.
تولّت الدولة مهمة البناء عبر مؤسساتها العامة:
المؤسسة العامة للإسكان
الشركة العامة للبناء والتعمير
مؤسسة تنفيذ الإنشاءات العسكرية (ميتا)
الشركة العامة للطرق والجسور
نشأت أحياء مثل المزة، الميسات، التجارة، حاميش، وكفرسوسة... متشابهة في شكلها، منفصلة عن أي مشروع إنتاجي، تُدار على قاعدة الولاء الوظيفي لا الجدوى الاقتصادية. تم استيعاب الطبقة الوسطى الجديدة من موظفي الدولة والعسكريين عبر مشاريع تعاونية مشروطة بالولاء، لا بالكفاءة.
امتدت هذه السياسة إلى أحياء رسمية جديدة، بُنيت كرد فعل إداري أكثر منه استجابة لرؤية تنموية. لم تكن هذه الأحياء سوى خلايا سكنية مصمَتة، أُسِّست لاحتواء الولاء، لا لإنتاج قيمة مضافة. في المقابل، تمّ تجاهل الأطراف التي حلم بها إيكوشار كمناطق صناعية وضواحي إنتاج، ودفعتها البيروقراطية المركزية نحو العشوائية.
مشروع ضاحية دمر: محاولة مقاومة من داخل النظام
وسط هذا المشهد، برز مشروع ضاحية دمر في ثمانينيات القرن الماضي كتجربة مغايرة؛ لا بمعزل عن النظام، بل كمحاولة لإصلاحه من داخله. فقد قدّم نموذجًا نادرًا لتخطيط عمراني يسعى للتوازن الاجتماعي والاستدامة، في زمن طغت فيه المحسوبيات والإقصاء والتخطيط الفوقي.
اعتمد المشروع على نهج تشاركي: مهندسون محليون، معماريو المدينة، أفراد من المجتمع، ومهنيون من مختلف القطاعات شاركوا في التخطيط. وتضمن اهتمامًا بالبيئة، وتنوعًا اجتماعيًا، وتوفير الخدمات. لكنه ظل استثناءًا لم يتكرّر.
✦ مشروع إيكوشار... والحلم الذي انطفأ
في زمن مبكّر، كنا قد تناولناه في الفصول السابقة، حاول البعض أن يتخيّل دمشق على أنها مدينة صناعية ذات مخطط شعاعي، تمتد في أطواقها الضواحي المنتِجة. كان إيكوشار يضع خرائط لضواحٍ صناعية تمتد نحو جوبر والقابون وحرستا، لكن بعد التأميم، فَقَد هذا الحلم تمويله ودفعه الاجتماعي. فالمدينة التي لا تملك اقتصاداً حراً، ولا سوقاً ديناميكية، لا تملك ما يُبقي الصناعة على قيد الحياة.
بينما توسعت الدولة رسميًا في أحياء مثل المزة، الميسات، ركن الدين، مخصصةً السكن لموظفيها المدنيين والعسكريين، تُركت الأطراف لتختمر في العشوائية... وكانت هذه هي لحظة الولادة الحقيقية للفضاء غير الرسمي:
اقتصاد غير رسمي + سكن غير رسمي = مجتمع غير مُمثَّل
✦ التمدد غير الرسمي: حين خسر الريف صوته، وخسرت المدينة حلمها الصناعي
بدأت الكارثة من الريف. فباسم الإصلاح الزراعي، جرى تفتيت الملكيات إلى حدّ لم تعد فيه الأرض قابلة للإنتاج الجماعي أو الفردي. تحوّل الفلاح إلى مقيم فوق أرضه لا فاعل فيها، وسرعان ما بدأت الهجرة نحو أطواق المدن.
أما المدينة، فقد خُنقت بالمراسيم. المصانع الكبرى أُخضعت للتأميم، وانقطعت دورة المبادرة. ومع الزمن، لم تعد تُبنى مصانع جديدة، بل تذرّرت المنشآت وتحوّلت إلى ورش صغيرة، تبحث عن النجاة: من سرقة الكهرباء، إلى تصريف النفايات الصناعية في الصرف الصحي بدل معالجتها ، إلى تجنّب الضرائب. نبتت الورشة المتناهية الصغر بوصفها آلية تأقلم، وهي البذرة التي تشكلت حولها العشوائيات.
✦ الفضاء غير الرسمي ليس خللاً... بل نِتاج هندسي
لم تكن العشوائيات نتاج خللٍ في التخطيط، بل نتيجة منظومة متكاملة من السياسات:
فشل الزراعة = ضغط سكاني على المدن.
تذرر الصناعة = سوق هشّ لا يحتمل الضوابط.
غياب تمويل خاص = غياب مشاريع سكنية إنتاجية.
انعدام الإدماج = تشكّل فضاء يعيش على التخمين والسكوت.
لم تكن أحياء مثل جوبر، القابون، الدباغات ... مناطق متخلفة، بل جغرافيا المهجّرين والمُنتجين المُقصين. وحين فشلت مشاريع الدمج الرسمية، لم يبقَ أمام الناس سوى أن يبنوا بأنفسهم، على أراضٍهم المخصصة للمصانع ولكن في مناخ تأميم، وبلا خدمات. وهذا ما سيكون محور هذا الفصل بكل تفاصيله.
وعليه، سندحض في هذا الفصل واحدة من أكثر الحجج القانونية تداولاً، والتي تُستخدم لتبرير عدم تعويض سكان المناطق العشوائية بعد تدمير منازلهم خلال الحرب. إذ يُقال إن الدولة غير ملزمة بدفع تعويضات، لأن البناء لم يكن مرخصًا، وأن من بنى دون ترخيص، فعل ذلك على مسؤوليته. لكن هذه الحجة تتجاهل أن الفضاء العشوائي لم يكن خيارًا فرديًا، بل استجابة جماعية لمنظومة إقصاء. وأن ما دُمّر لم يكن "كراجًا من التنك"، بل أسواقًا حقيقية، ومساكن مأهولة، وشبكات إنتاج وتبادل تراكمت على مدى عقود، ما جعل قيمتها السوقية والرمزية تتجاوز بكثير قيمة الجدران والسقف.
✦ المعادلات التي سنفككها... ومن يتحمل المسؤولية؟
هذا الفصل لا يكتفي بمساءلة الدولة السورية، بل يتتبع جذور الفشل العمراني في دمشق إلى ما هو أعمق من التخطيط المحلي: إلى بنية عالمية أنتجت هشاشة متعمدة في دول الجنوب. سنفكك، في أحد مقالات هذا الفصل، ظاهرة تذرر القطاع الصناعي، وكيف أنها لم تكن ناتجة عن ضعف داخلي فحسب، بل عن ضغوط تنافسية فرضها السوق العالمي على بنية اقتصادية لم يُسمح لها بالتراكم المستقل.
فعندما يتم سحق الصناعة الكبرى باسم التأميم، ثم يُمنع القطاع الخاص من العودة باسم الولاء السياسي، وتُترك الورش الصغيرة تتنفس فقط من خلال التجاوزات (سرقة موارد، تفادي ضرائب، غياب تأمينات)، فإننا أمام منظومة لا تنتج تنمية، بل تنتج هشاشة مُدارة، تُستثمر سياسيًا وتُضبط أمنيًا.
سيفهم القارئ في هذا الفصل أن العلاقة بين النيوليبرالية العالمية والتذرر الصناعي المحلي لم تكن علاقة انقطاع، بل ترابط. فكلما زادت الضغوط على الدول الفقيرة لتحرير التجارة، زاد تفكك الصناعات الوطنية، وكلما تراجعت الحماية والدعم، لجأت الورش الصغيرة إلى الممارسات غير النظامية، لتتحول الانتهاكات إلى أدوات للبقاء.
وسنكتشف معًا المعادلة التالية، التي تشكّل مفتاح فهم اقتصاد الأطراف:
كلما زادت الشدة التنافسية مع الأسواق العالمية، زادت الانتهاكات المعيارية (البيئية، الحقوقية، القانونية)، وكلما زادت هذه الانتهاكات، تذرّرت المصانع، وتحوّلت إلى ورش متناهية الصغر تعيش في الظل، وتقتات من اختراق القوانين أو الاحتيال على الدولة في عملية يتواطأ فيها المسؤول والمستفيد ضمن ظاهرة يمكن وصفها تساقطاً للثرورة باتجاه قطاع خاص غير مرخص.
هذه ليست نظرية فقط، بل وصف دقيق لما جرى في حزام دمشق الصناعي: من الخماسية إلى القابون إلى الورش المجهولة في جوبر والدباغات. كل ورشة كانت "ردّ فعل" على انسداد رسمي، وكل شارع بلا تخطيط كان "نَفَسًا" في جسد بلا رئة.
لكن السؤال الذي نطرحه بجرأة: من يتحمل المسؤولية؟
هل هي الدولة التي منعت الحوكمة؟
أم النخب التي حوّلت الضواحي إلى أدوات ولاء؟
أم المنظمات الدولية التي طالبت بـ"تحرير السوق" دون حماية حقيقية؟
أم الدول الغنية التي استباحت الأسواق وأغرقتها بالبضائع؟
أم قانون الطابو العثماني الذي حوّل الأرض إلى سلعة منذ 1858؟
سيتناول هذا الفصل أيضًا أثر العقوبات، لا من منظور قانوني أو إعلامي، بل كـ"محرك ضغط" يُحوّل الحيز المكاني إلى ساحة صراع بين شركات محمية (مثل "أمان القابضة") وسكان غير محميين، محرومين من العقود، ومن البنية التحتية، ومن التمثيل.
وسنربط في إحدى المقالات بين ما جرى في دمشق، وبين ما يجري اليوم في مدن جنوبية مثل نيروبي، كيب تاون، ونيودلهي. سنثبت أن العشوائيات ليست استثناءً سوريًا، بل نتيجة نظام عالمي ينتج التفاوت، ثم يدينه أخلاقيًا، بينما يُبقي جذوره الاقتصادية والسياسية حيّة.
✦ سؤال الفصل
إذا كان التأميم قد دُرّس لنا كرمز للعدالة، فلماذا ترك خلفه خرابًا زراعيًا، وصناعة متفسخة، ومدنًا غير قابلة للعيش؟ هل كانت الأزمة في التطبيق... أم في منطق التأميم ذاته؟ وهل ما نشهده اليوم من تصدّع عمراني هو مجرّد إرث، أم استمرار مقصود لآليات الضبط؟




تعليقات