من وعد التصنيع إلى تضخم البيروقراطية وتذرر القطاع الخاص : كيف أُلتهِمت أحلام التحول الصناعي؟ #9
- Ezzat Baghdadi
- 9 يونيو 2025
- 9 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 10 يونيو 2025
المقال الثاني من الفصل الثالث I دولة الضبط: من التفاوت إلى الترويض الحضري I سلسلة التحول الحضري في الدول التي شهدت استعماراً - دمشق نموذجاً

حين نتأمل مسار التصنيع في دمشق منذ الستينيات، لا يمكننا الاكتفاء بوصفه كسلاً بيروقراطيًا أو نتيجة قرارات خاطئة. ما نشهده هو انهيار منهجي لمشروع وُعدت به أطراف المدينة، ثم جُرّدت منه باسم التأميم، قبل أن تُلقى بها على هامش اقتصاد رمادي، لا يعترف بها إلا حين يحتاج إلى جباية أو تجريم. هذا المقال يتعقب مراحل هذا الانهيار المركب، من التأميم إلى التذرر، ومن فقدان التمثيل المحلي إلى تحول الحزام الصناعي إلى نسيج هش بلا صوت ولا مشروع.
تبدأ الحكاية من الدولة ذاتها، حين قررت أن تسيطر على الحقل الاقتصادي عبر التأميم، دون أن تمتلك القدرة المؤسسية على إدارته، ودون أن تتيح لمستويات محلية – بلدية، أو مهنية، أو مدنية – أن تشارك في صياغة المسار التنموي. ثم تزداد الحلقة إحكامًا حين تنكمش السوق المحلية داخل بيئة سياسية خانقة، وتُحرم من التمثيل، والمرونة، والمبادرة.
لكن الخناق لا يكتمل إلا بالعامل الثالث: العالم. فخلال العقود ذاتها، كانت الأسواق العالمية تتعافى، والمنافسة الصناعية تحتدم، وشروط الإنتاج ترتفع، بينما بقي الاقتصاد السوري، ومثله اقتصادات دول الجنوب، يركض تحت معادلة ما بعد استعمارية تكرسها القوة المهيمنة من خلال تثبيت وكلائها السلطويين على قمة هرم السلطة، لتبادل الخامات الرخيصة بالمنتجات المكلفة المصدرة من دول الشمال. وهكذا أصبحت أحلام التصنيع تلهث وراء مشروع لم يعد يملك له لا الحماية، ولا الموارد، ولا الشرعية اللازمة.
في هذه الدوامة، لم يُولد المصنع، ولم تُبنَ المدينة، ولم يُسمع الصوت المحلي. ما نشأ مكان كل ذلك كان نمطًا رماديًا من الإنتاج المتهرئ، تعايش فيه الحرفي مع البيروقراطية، وتفاوض فيه القطاع الخاص على البقاء لا على النمو، وتحولت فيه الصناعة من أداة لتحسين شروط العيش إلى تكتيك هش لتفادي الانقراض.
أولاً: من التأميم إلى الاحتكار: حين اختُزل الاقتصاد إلى جهاز توزيع
حين شرعت الدولة السورية في تنفيذ سياسات التأميم مطلع الستينيات، لم تكن تتحرك في فراغ، بل كانت تستلهم شعارات الاشتراكية الصاعدة، وتبحث عن أدوات لفرض هيمنتها الكاملة على الاقتصاد والمجتمع. كان يُفترض أن يؤدي التأميم إلى إعادة توزيع الثروة، وإطلاق مشروع وطني للتصنيع يقطع مع هيمنة كبار الملاك والنخب التجارية التقليدية. لكن ما حدث فعليًا كان العكس.
فبمجرد أن استولت الدولة على المؤسسات الصناعية الكبرى، تراجعت الجدوى الاقتصادية لهذه المؤسسات. ليس فقط لأن الإدارة البيروقراطية لم تكن مؤهلة لتشغيل المصانع، بل لأن منطق التشغيل نفسه تبدل: من منطق الإنتاج إلى منطق الوظيفة. ساد نمط "الوظيفة المؤمَّنة" بدل "المبادرة"، وغابت الحوافز، وذهبت الروح الصناعية لصالح نمط توزيعي يربط الأمن الوظيفي بالسكوت، لا بالفعالية.
لم يكن القطاع العام قادرًا على النهوض بالصناعة، ولم يُسمح للقطاع الخاص بأن يملأ الفراغ. وما تركته الدولة دون تأميم لم يكن إلا الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي اعتُبرت غير ذات جدوى أو غير مُقلقة سياسيًا. بذلك لم يبقَ أي طرف يمتلك القدرة ولا الحافز ليقود عملية تراكم رأسمالي طويل الأمد.
الاقتصاد الذي كان ينبغي أن يتحول إلى حقل إنتاج، أصبح جهازًا لتسكين المطالب، وتحقيق الاستقرار السياسي، وتوزيع الأجور والمناصب على الولاءات. لم يُوظَّف الناس في المصانع، بل في الأجهزة المتفرعة عنها، أو في الإدارات المرتبطة بها، أو في سلاسل الخدمات المحيطة بها، دون أن يكون هناك مشروع إنتاج فعلي يُقاس بالمخرجات.
كان التأميم وعدًا بالتحول، فانقلب إلى احتكار للمجال الاقتصادي دون القدرة على تنشيطه. لم يعد السوق ميدانًا للتنافس، بل خارطة للضبط، ولم تعد الدولة راعيًا للتحول، بل مُديرًا لجمودٍ منظَّم.
ثانيًا: اختفاء المستوى المحلي للسلطة: حين فُقدت الوساطة، وخرجت المدينة من التخطيط
كان يمكن لسياسات التأميم، رغم صلابتها، أن تُدار بطريقة تُقلل من أضرارها وتُحافظ على الحد الأدنى من التوازن بين المبادرة المحلية والقرار المركزي. لكن ما حدث في سوريا بعد 1963 كان شيئًا مختلفًا تمامًا: تم تفكيك كامل للبنى الوسيطة بين الدولة والمجتمع، بعد إلغاء القانون الذي ينظم المستويات المحلية، واختفى كل شكل من أشكال التمثيل المحلي في إدارة الحيّز، سواء عبر البلديات، أو النقابات، أو المجالس المنتخبة.
لقد عادت هذه المستويات للظهور لكن بطريقة معكوسة؛ سيطر حزب البعث على هذه الفضاءات، وأصبحت مجالس الإدارة المحلية وسائل تواصل دائم تتجه من السلطة المركزية باتجاه السكان لتطبيق التطلعات والسياسات المركزية، وليس العكس. وكذلك تحولت النقابات إلى أدوات لإدماج الطبقة الوسطى مع السياسة المركزية، لا لتأطير العمل وفق مقتضيات المصلحة وحاجات القطاع.
بهذا التفكيك وإعادة التركيب، لم يعد هناك أي مستوى إداري أو سياسي أو حتى نقابي قادر على التفاوض حول مشاريع التنمية، أو إعادة تصميم مخططات التصنيع بما يتلاءم مع الحقائق الاجتماعية والاقتصادية للأحياء والمناطق الطرفية. حتى حين كانت الدولة تُصدر قرارات "تنظيم صناعي" لأطراف دمشق، كانت هذه القرارات تُتخذ في مكاتب مغلقة، وتُنفذ على الورق، دون وجود أي آلية حوكمية تنتج معرفة متوازنة مبنية على حقائق ملموسة. أصبحت "الحقائق المعرفية" التي تستند إليها المخططات عرضة للتلاعب أو الأهواء؛ لا مصالح السكان، ولا إمكانات التنفيذ.
المدينة، في ظل هذا الغياب، خرجت من دائرة الفعل الحضري، ودخلت في مسار تخطيطي معلق. فلم تعد الأطراف تُخطط بوصفها امتدادًا وظيفيًا للعاصمة، بل بوصفها مساحات تُرسم من فوق، وتُترك جانبًا حتى يأتي مستثمر أو مشروع أو قرار سياسي لتفعيلها. وغالبًا، لم يأتِ شيء من ذلك.
وحين بدأ السكان يبنون حياتهم وفق مقتضيات هذا الواقع – يبنون منازلهم، يفتحون مشاغلهم، يقتطعون أراضيهم – لم يكن هناك جهاز محلي يُفاوض باسمهم، أو يسعى لتقنين وجودهم، أو يُعيد ربط الطابو بالفعل العمراني. كان على الجميع أن يتعاملوا مع مؤسسات مركزية بعيدة، مرهقة، غير قادرة على الاستجابة، وأحيانًا غير معنية أصلًا.
وهكذا، لم يكن غياب التصنيع ناتجًا عن غياب الإرادة فقط، بل عن انعدام القدرة على تكييف المخطط مع الواقع. فالتنظيم بقي حبرًا على ورق، والتنفيذ بقي حبيس الأوامر المركزية، بينما توسعت المدينة وفق منطق البقاء، لا وفق منطق السياسة العامة.
ثالثًا: تذرر القطاع الخاص وتضخم بيروقراطية الدولة: من مشروع إنتاج إلى عقد بلا صوت
مع انسداد الأفق أمام الدولة، وغياب أي بنية محلية وسيطة قادرة على تعديل المسار، لم يتوقف القطاع الخاص عن العمل، لكنه غيّر موقعه ودوره: من شريك محتمل في مشروع إنتاج وطني، إلى كيان متقلص يتكيف مع بيئة طاردة. لم يعد سؤال التوسع مطروحًا، بل سؤال البقاء: كيف تستمر دون أن تُرى؟ كيف تربح دون أن تُستهدف؟ وكيف تصغر بما يكفي حتى لا تُؤمم، أو تُبتلع، أو تُخنق؟
تحوّل حجم المؤسسة إلى وسيلة دفاع: الورشة لا المصنع، الحرفة لا الشركة، التوظيف غير المسجل لا الاستثمار طويل الأمد. لا عقود، لا تصاريح، لا سندات. كل شيء يعمل، لكن في الظل؛ نشاطٌ يُدار بأدوات الحي والأزقة، لا بمخططات الوزارة.
هذا النمط لم يكن مجرد استجابة للتأميم، بل نتيجة بنيوية لطبيعة الحكم: فالدولة لم تبنِ مؤسسات تنموية بل أجهزة ضبط. شروط التسجيل معقدة، الضرائب مرهقة، المعايير البيئية مكلفة، والحصول على الترخيص لا يتم عبر القانون بل عبر الوساطة. في هذه البيئة، صار التهرّب هو القاعدة، والبقاء رهنًا بالبقاء خارج الحقل الرسمي.
في هذا المناخ، نشأ منطق يومي للتكيّف: تشغيل بلا عقود، تصريف نفايات بلا معالجة، كهرباء مسروقة بتواطؤ غير معلن، وخرق المعايير بلا مساءلة. كل هذا جرى بعلم الدولة، وبتغاضيها، كجزء من منظومة توافق صامت. فالاقتصاد غير الرسمي لم يكن خللًا عرضيًا، بل خيارًا سلطويًا مقصودًا.
كما بيّنت في ورقة مفاهيمية قدمت إلى UNDP، يُستخدم هذا الاقتصاد الرمادي كأداة سياسية: يُترك يعمل دون تسجيل، يُقدَّر ضريبيًا بتخمين لا محاسبة، ويُزوَّد بخدمات دون إدماج رسمي. النتيجة: اقتصاد بلا وثائق ولا صوت، يخضع لرقابة دائمة تُفعّل عند الحاجة.
في إطار نظرية "51%" التي طورتها، يسعى النظام السلطوي للسيطرة على الأغلبية الحاسمة من الاقتصاد الرسمي عبر الولاء. أما ما تبقى، فيُدفع نحو المنطقة الرمادية، حيث يعمل دون أن يُطالب. كل استثمار لا يمكن ضبط ولائه يُقصى عن الترسيم، فلا يُرخص ولا يُسجل، لكنه لا يُمنع، بل يُترك تحت مجهر التخمين والملاحقة المؤجلة.
وهنا، تصبح الضريبة أداة فرز سياسي:
من يُسجَّل، يمكنه أن يُطالب.
ومن يُخمَّن عليه، يُترك في الظل.
والتخمين لا يعني محاسبة دقيقة، بل تقديرًا جزافيًا غير شفاف لحجم النشاط من قبل مديريات المالية، دون مستندات أو توثيق رسمي. هذا يُبقي المكلف دائمًا في موقع هش، ويُقصي بياناته من الاقتصاد الكلي، مما يحرمه من الحماية، ويمنع التخطيط بناءً على مساهمته الحقيقية.
لكن التذرر لم يكن فقط طريقة للاختباء، بل وسيلة لتقاسم الثروة المتساقطة. فكما ضمنت الدولة الولاء عبر تضخيم الجهاز البيروقراطي وتوزيع الرواتب في مؤسسات ضعيفة الإنتاجية، سمحت للقطاع الخاص المتذرر أن يستفيد من "اقتصاد التسامح": كهرباء مسروقة، تراخيص شفهية، ضرائب تقديرية، وامتيازات ضمنية. وهكذا، توزعت الثروة الوطنية عبر مسارين متوازيين:
البطالة المقنعة في القطاع العام بوصفها وسيلة احتواء سياسي،
الاقتصاد المتذرر بوصفه نمطًا للتكيف الجماعي، يتلقى فتاتًا من الامتيازات، ويُبقي على الحد الأدنى من النشاط.
نحن أمام عقد اجتماعي صامت: لا تمثيل مقابل لا مساءلة، لا طموح مقابل البقاء، لا صوت مقابل التغاضي. فلا الدولة تطالب بما لا يُعلَن، ولا المواطن يطلب أكثر مما يُسمح له. تُرك القطاع الخاص يعمل، لكنه لم يُدعَ يومًا ليشارك. لم يكن فاعلًا في مشروع وطني، بل طرفًا في إدارة البقاء. وكان ذلك بالضبط ما تحتاجه السلطة: اقتصاد غير رسمي، يعمل في الظل، بلا وثائق، بلا صوت، وتحت تخمين ضريبي يمكن أن يتحوّل في أي لحظة إلى استدعاء أمني.
ومع الزمن، تحوّل هذا التذرر من استثناء إلى قاعدة، ومن ظرف مؤقت إلى منطق منظّم. الزمن لم يكن يُراكم، بل كان يُقزّم. كل مشروع يكبر يُراقب، وكل توسع يُستدعى، وكل مخالف يُصادَر أو يُشوَّه. أما الورش الصغيرة، فتبقى محمية بصغرها، وبجهل القانون بها.
حتى حين ظهرت فرص جديدة لما يُسمّى "الجدوى"، لم تكن قائمة على الكفاءة الإنتاجية، بل على القدرة على التحايل المشروع. نخبٌ متحالفة مع السلطة حصلت على امتيازات لتجميع بضائع صينية وبيعها كمنتج وطني تحت حماية جمركية. بينما الصناعي الذي التزم بالمعايير خسر أمام جاره الذي يسرق الكهرباء ويُشغّل بلا عقود.
وهكذا، أصبح التذرر ليس فقط شكلًا اقتصاديًا، بل آلية سياسية: الدولة تفضّله لأنه لا يُهددها، والقطاع الخاص يقبله لأنه لا يكلّفه المواجهة. اقتصاد لا يُنتج طبقة وسطى، ولا يؤسّس لاقتصاد وطني، لكنه يضمن استمرار الجميع في حالة انعدام وزن دائمة – يُوزَّع فيها الفتات على الحواف، ويُجرَّم فيها النجاح عند اللزوم.
رابعًا: سوق بلا حماية، عالم بلا رحمة – العوائق الخارجية لانبعاث الصناعة
بينما كانت سوريا تُقيّد قطاعها الخاص، وتفكك أدوات تمثيلها المحلي، وتُخضِع اقتصادها لمنطق الولاء، كانت الأسواق العالمية تسير في اتجاه مختلف تمامًا. فقد شهدت العقود الممتدة من السبعينيات إلى بداية القرن الحادي والعشرين موجة من التحرير التجاري، وانخفاض الحواجز الجمركية، وتسارع سلاسل الإمداد، مما جعل العالم أكثر تنافسية، وأقل رحمة تجاه الاقتصادات الناشئة التي لا تملك حماية ذاتية أو قدرة على التكيف. لم تكن سوريا وحدها في هذا. فقد عانت معظم دول الجنوب التي خرجت من الحقبة الاستعمارية من خيبات متكررة في مشاريع التصنيع الوطني. لكنها كانت حالة نموذجية في مدى ما بلغه الانكشاف من حدة:
لا حماية جمركية فعلية،
لا تمويل تنموي مستقر،
ولا سوق داخلية قادرة على امتصاص الإنتاج.
وفي غياب رأس مال صناعي محلي قادر على النمو، وفي ظل غياب شراكة حقيقية مع الدولة، أصبح الاستثمار في القطاع الصناعي مخاطرة لا مبرر لها. ومع كل موجة جديدة من الانفتاح، أو تقلبات أسعار الصرف، أو تبدل قوانين الاستيراد، كان المصنع الصغير يتراجع خطوة، والورشة تغلق، والحرفي يتحول إلى تاجر استيراد أو عامل في الخليج. هذه العوامل الخارجية لم تُفشل التصنيع فقط، بل عمّقت الحلقة المفرغة داخليًا. فكل إخفاق في التنافس مع المنتجات الأجنبية رَسّخ قناعة أن الإنتاج المحلي "غير مجدٍ"، وكل تراجع في دعم الدولة زاد من هشاشة البيئة، وكل عجز عن الوصول إلى التمويل ضاعف من التذرر.
وفوق كل ذلك، كان هناك عنصر آخر غير منظور: نقص الشرعية الدولية لنموذج التصنيع المحلي. إذ لم تُقدَّم لسوريا، كما لغيرها من دول الجنوب، فرصة حقيقية للانخراط في سلاسل القيمة العالمية، بل ظلت تُعامَل بوصفها سوقًا استهلاكية، أو مصدرًا للعمالة، أو ميدانًا لصراعات بالوكالة. فكيف يُبنى مصنع في ظل هذا النوع من الانكشاف؟
لم يكن الانهيار الخارجي ناتجًا فقط عن ضعف البنية، بل عن عزلة استراتيجية: لا حماية من الدولة، ولا دعم من الخارج، ولا قدرة على النفاذ إلى الأسواق. فكان أن تكامل الداخل المعطّل مع الخارج المنفصل، ليُغلِقا حلقةً من الفشل المتكرر.
خاتمة: حين فقدنا المصنع، بدأ تشوّه المدينة
في منتصف القرن العشرين، كان يُفترض أن تُحوّل أطراف دمشق إلى ضواحٍ صناعية منظمة، تُخفف الضغط عن قلب المدينة، وتستوعب موجات النزوح الريفي، وتوفر وظائف تُعيد تشكيل علاقة السكان بالمدينة بوصفهم منتجين لا تابعين. إلا أن ما حدث كان النقيض: فالمناطق التي خُطّط لها أن تكون مصانع، تحولت إلى مزيج غير متجانس من مساكن متواضعة، مشاغل مرتجلة، وأسواق رمادية.
هذا التحول لم يكن مجرد خلل في التنفيذ، بل نتيجة مباشرة لغياب المستويات المحلية من السلطة، ولتذرر القطاع الصناعي وانعدام الحوافز للاستثمار طويل الأجل. ففي ظل البيئة القانونية الطاردة، وغياب القدرة على التملك الآمن، وغياب البنى التحتية الفعالة، فقدت الضواحي أي جاذبية كمجال للتصنيع الحقيقي. لا أحد يريد أن يُنشئ معملًا في أرض لا يستطيع تثبيت ملكيته عليها، ولا أن يستثمر في بناء لا يحصل على رخصته، ولا أن يُشغّل عمالًا لا يمكن تسجيلهم.
أمام هذه الشروط، اختفى المصنع من المشهد، وظهرت بدلاً منه الورشة الصغيرة، أو ما هو أصغر منها: محل تصليح، نقطة إنتاج مؤقتة، أو سوق شعبية على الرصيف. وهكذا، تحولت مناطق مثل القابون، جوبر، برزة البلد، وحرستا – والتي كانت مصنفة صناعية على المخطط – إلى نطاقات سكنية ومهنية غير مرخصة، تعيش على حواف القانون، وتُدار بمنطق البقاء لا التطوير.
أدى هذا التشوّه إلى تغيّر وظيفة المكان نفسه. لم يعد الطوق الصناعي حزامًا إنتاجيًا يُغذّي المدينة، بل صار حزامًا هشًا يعيش فيه سكان بلا تمثيل، ويعمل فيه حرفيون بلا حماية، وتُقدّم فيه خدمات بلا بنية، ويُنتَج فيه اقتصاد لا تعترف به الدولة إلا حين تريد أن تُحصِّل الضرائب، أو تُجرّم التوسع.
بل إن هشاشة الحيّز لم تقف عند البنية فقط، بل طالت الهوية الحضرية. فمنطقة كانت تُفترض أن تكون امتدادًا وظيفيًا لعاصمة ناشئة، أصبحت أقرب إلى "مساحة مؤقتة دائمة" – تُبنى وتُهدَم، تتوسع وتُهمَّش، يُعتَرَف بها تارة وتُنكَر تارة أخرى، دون أن تُدمج فعليًا في منظومة التخطيط أو المواطنة.
ولأن هذا النمط استمر لعقود، فإن أي محاولة لاحقة لإعادة التنظيم أو إعادة الإحياء كانت تصطدم بحقيقة مريرة: ما بُني في غياب القانون لا يمكن تنظيمه بسهولة بالقانون، وما نشأ خارج الخطة لا يمكن إدخاله فيها دون كلفة اجتماعية هائلة.
ملاحظة ختامية:
بعد تقديم دراسة حالة معمل يغمور وبغدادي وجوهر، سننتقل في المقال القادم من بنية الاقتصاد إلى بنية المكان. كيف أدّت هذه الحلقة المفرغة إلى تشوّه في الطبوغرافيا القانونية والعمرانية؟ ولماذا لم تتطابق ملكيات الناس مع المساحات التي يسكنونها أو يعملون فيها؟ في المقال العاشر، نفتح خريطة التفاوت المكاني بين ما هو مُخطط وما هو مشغول، لنفهم كيف أصبح الهامش قلب المدينة، والمصنع أطلالًا، والملكية لغزًا.



تعليقات