top of page

الجمهورية الأولى: حين فشلت الدولة وفَقَدَت المدينة مشروعها #7

المقال الأخير في الفصل الثاني – سلسلة التحول الحضري في الدول التي شهدت استعماراً – دمشق نموذجاً 1946–1958 | من الاستقلال إلى الوحدة




الصورة تُجسّد بصريًا فكرة "دولة لم تُبنَ" و"مجتمع لم يُمثَّل".
الصورة تُجسّد بصريًا فكرة "دولة لم تُبنَ" و"مجتمع لم يُمثَّل".

الطفل يرمز لجيل ضائع، والمبنى لجمهورية بلا مشروع إنتاجي أو حضري، والمشهد الرمادي يرمز لظهور المنطقة الرمادية التي ستشكل بنية الفصل القادم.



بينما نستعد للانتقال من تغطية فترة الاستقلال، لا بدّ من وقفة قصيرة أمام سؤال جوهري ظلّ يتردد في ظلال النصوص السابقة دون أن نمنحه كامل حقه: لماذا لم تنجح الجمهورية الأولى، رغم تعدديتها الشكلية وطاقتها الرمزية العالية، في التحوّل إلى دولة منتجة أو حتى في بناء قاعدة صناعية متماسكة؟ ولماذا لم تثمر تلك السنوات المبكرة من الاستقلال – رغم ما رافقها من مشروعات تحديث وتعليم – عن تحوّل اقتصادي واجتماعي يقلب ميزان القوى لصالح جمهورٍ أوسع؟

قدّمنا في مقالات سابقة توصيفًا دقيقًا لبنية الدولة في تلك المرحلة، التي يمكن وصفها كـ"شركة قابضة"، وللطبقية المعرفية، ولمحدودية التعليم، ولانسداد الصوت المحلي. لكن هذه المقالة تُعيد صياغة السؤال من زاوية بنيوية أعمق: ماذا عن السياق الدولي؟ وماذا عن تعافي أوروبا الغربية واليابان؟ وماذا عن النظام الاقتصادي العالمي الذي بدأ، منذ الخمسينيات، بإغلاق كل نوافذ التحول نحو دولة منتِجة في الجنوب العالمي؟

سنُعيد قراءة هذه الفترة لا بوصفها مجرد "فرصة ضائعة"، بل كمرحلة ولّدت شروط الفشل البنيوية لما سيأتي لاحقًا من فوضى، أمن، وعمران مشطور.

  

❖ اقتصاد هش في مواجهة تعافٍ عالمي: أين وقفت سوريا من الموجة الصناعية الجديدة؟

مع منتصف الخمسينيات، بدأ مشهد الاقتصاد العالمي يتغير على نحو لم يكن في صالح الدول الخارجة من الاستعمار. أوروبا الغربية، التي مزّقتها الحرب العالمية الثانية، استعادت عافيتها بوتيرة متسارعة بفضل "مشروع مارشال" والدعم الأميركي اللامحدود. وفي الطرف الآخر من العالم، كانت اليابان والاتحاد السوفيتي يدخلان مرحلة صعود صناعي غير مسبوقة. الأسواق العالمية امتلأت بمنتجات رخيصة، عالية الجودة، من دول تمتلك قدرة تنظيمية، قاعدة رأسمالية، وموارد طاقية ومعرفية تفوق ما تمتلكه أي دولة في الجنوب بعشرات المرات.

في هذا السياق، كانت سوريا تحاول أن تبدأ من الصفر تقريبًا. لم يكن لديها قطاع صناعي سابق، ولا بنية تحتية لوجستية أو طاقوية مناسبة، ولا قدرة على حماية إنتاجها من المنافسة الخارجية. الأسوأ من ذلك، أن القاعدة الاقتصادية بُنيت على قطاع زراعي هش، مجزأ، بلا استثمار حقيقي، وفي ظل ملكيات تفتقر إلى الكتلة الحرجة اللازمة للتحول نحو الإنتاج الكبير أو التصدير المستدام.

لقد وجدت النخبة السورية نفسها، من دون رؤية ولا أدوات، أمام سوق عالمي مفتوح، وتيار عولمي لا يرحم. كانت المشاريع المحلية الصغيرة تموت سريعًا أمام السلع الأوروبية، ولم يكن لدى الدولة أدوات حقيقية لدعم الصناعات الوليدة. لم يكن هناك تخطيط صناعي ولا سياسة حمائية، بل فقط ارتجالٌ في مواجهة طوفان اقتصادي دولي لا يمكن احتواؤه بمفردات ما قبل الحرب  ولا بفترة الحرب وما بعده التي وهبت البلاد الاستقلال وفرصة تجريب دخول النادي الصناعي، يوم كانت مصانع تلملم جراحها بعد الحرب.

❖ الحرب الباردة: السيادة بوصفها قابلية للضبط

لم يكن المشهد العالمي في الخمسينيات مجرد سباق تنمية بين قوى صاعدة، بل ساحة صراع استقطابي تحت راية الحرب الباردة. الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لم يتنافسا فقط على حلفاء سياسيين، بل على خرائط النفوذ الجغرافي والاقتصادي. في هذا المناخ، لم تُمنح دول الجنوب الناشئة فرصة صياغة مشروعها التنموي بحرية، بل جرى تصنيفها وفق موقعها في الصراع، لا إمكاناتها الذاتية.

في حالة سوريا، كان استقلالها حديثًا وهشًّا، وقد وجدت نفسها مطالبة باختيار موقعها في لعبة أكبر منها بكثير. الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لدعم مشروع صناعي سيادي يخرج سوريا من التبعية، بل رغبت في "ضبطها" ضمن سياق سياسي واقتصادي قابل للتنبؤ والاحتواء. أما الاتحاد السوفيتي، فرغم تقديمه لبعض المشاريع والمساعدات، إلا أنه لم يقدّم بديلًا هيكليًا، بل أداة تفاوض ضمن لعبة أوسع لا تضع مصالح دول الجنوب في صلب حساباتها.

كان المطلوب من سوريا، كغيرها من دول ما بعد الاستعمار، أن تبقى "دولة عبور": تمرّ عبرها السياسات، الأنابيب، البضائع، والصفقات، دون أن تصبح يومًا نقطة إنتاج حقيقي أو مركز قرار. السيادة لم تكن تعني حينها امتلاك القرار الوطني، بل القدرة على الامتثال للمعادلات الدولية من دون إثارة القلق.

📍 أثر بدئي على التحول الحضري:ترجمت هذه الحالة إلى مدنٍ لا تنتج، بل تُستخدم. تحولت دمشق إلى عقدة اتصال ومقر لبعثات أجنبية، لا إلى مركز تصنيع أو تخطيط تنموي. تركزت الاستثمارات في البنى التحتية التي تخدم وظائف الدولة السياسية (وزارات، مؤسسات، معسكرات)، بينما تُركت ضواحي المدينة بلا وظائف حيوية. ومع غياب السيادة الإنتاجية، لم تعد الدولة تخطط للمدينة بوصفها جسدًا اقتصاديًا متكاملًا، بل فضاءً إداريًا للضبط والتسيير.

 

❖ الانسداد المتبادل: حين تعايش الداخل والخارج على حساب المستقبل

في قلب هذا المأزق، لم يكن الصراع بين الداخل والخارج تناقضًا صريحًا، بل توافقًا ضمنيًا على إبقاء الأمور على حالها. فالنخب السورية الحاكمة لم تكن عاجزة عن قراءة التحولات، لكنها اختارت – كما أسلفنا – الاحتفاظ بامتيازاتها على حساب تطوير الدولة. لم تكن مستعدة لتوسيع التمثيل أو الاستثمار في التعليم المهني أو بناء قاعدة إنتاجية تتطلب تضامنًا اجتماعيًا وقرارات مؤلمة.

في المقابل، كان النظام الدولي، في ذروة الحرب الباردة، يبحث عن استقرار قابل للضبط أكثر من بحثه عن دول تنمو على نحو مستقل. ساند هذا النظام سلطات محلية ما دامت تحمي الممرات الجيوسياسية وتبقي المجتمعات تحت السيطرة. وهكذا، ولدت حالة من "الانسداد المتبادل": لا النخبة مستعدة للتنازل، ولا القوى الدولية راغبة في تغيير موازين اللعبة. النتيجة؟ لا إصلاح داخلي ولا تمكين خارجي، بل لحظة طويلة من الترقب والانفجار المؤجل.

📍 أثر بدئي على التحول الحضري:ترجم هذا الانسداد نفسه في المجال العمراني إلى غياب متعمّد للتخطيط الشامل. لم تُبذل جهود حقيقية لربط الريف بالمدينة أو لتوزيع التنمية بشكل عادل. باتت مشاريع الإسكان إما نخبويّة، وإما مهملة بالكامل، وتحوّلت مكاتب التنظيم العمراني إلى أدوات بيروقراطية بلا رؤية استراتيجية. لم يكن هناك مشروع حضري ينطلق من حاجات السكان، بل إدارة مؤقتة ومُجزّأة للحيّز، هدفها تأجيل الانفجار لا منعه. وكان هذا التهميش العمراني من نتائج التعايش السلبي بين الداخل المتواطئ والخارج المتحفّظ.

 

❖ نخبة تُقصي، ومجتمع ينكمش: حين أُجهضت المشاركة من الجهتين

لم يكن انحسار التمثيل السياسي في الجمهورية الأولى مجرد نتيجة لضعف المؤسسات، بل كان ثمرة مباشرة لإرادة نخب حاكمة تعاملت مع السياسة كملكية، لا كعقد اجتماعي. فبدل أن تُفتح البلديات والمجالس للتمثيل الشعبي، تم تجميدها، أو تقليص صلاحياتها، أو تركها في يد وكلاء النخبة من الأفندية والمتعلمين، الذين تولّوا تمثيل المركز دون صِلة حقيقية بالمجتمعات المحلية. تم سحب الصوت السياسي من الأطراف باسم التكنوقراطية أحيانًا، وباسم "الوحدة الوطنية" أحيانًا أخرى، وفي الحالتين، كانت النتيجة واحدة: مجتمعات مهمّشة بلا أدوات تعبير، ولا آليات مساءلة.

في هذا الفراغ، لم تتولد قوى اجتماعية مدنية قادرة على تنظيم المطالب أو التفاوض باسم السكان، بل حافظت المجتمعات على بنيتها التقليدية – الأسر الممتدة، والعائلات الكبيرة، والمشيخات الدينية – باعتبارها أنظمة الحماية الوحيدة الممكنة. بدلاً من التحول نحو المواطنة، تمترست الفئات الشعبية خلف أنماط الانتماء الحميمة، التي توفر الأمان والوساطة والعمل، لكنها لا تنتج صوتًا سياسيًا، ولا تشجع على تنظيم جماعي مستقل. أصبح الحيّ يُدار بـ"الوجيه"، لا بالمجلس؛ والطلب يُرفع عبر "واسطة"، لا عبر اقتراح مشروع؛ والحق يُنتزع بشبكة علاقات، لا بميزانية بلدية.

📍 الأثر البدئي على التحول الحضري:هذا التواطؤ بين إقصاء النخبة وانكفاء المجتمع أنتج شكلًا خاصًا من التوسع الحضري: توسع بدون تمثيل، وتمدّن بلا مواطنة. فالمجتمعات لم تطالب بسكنٍ لائق لأنها لا تملك أدوات الضغط، والنخب لم تُخطط لأنها لا ترى في السكان شركاء. هكذا، ظهرت الضواحي الأولى لا كنتاج سياسة عمرانية، بل كاستجابة فردية للبقاء، بعيدة عن القانون، وأقرب إلى العرف والتكيّف. لم تكن تلك مستوطنات غير رسمية بعد، لكنها كانت مجرّد "أماكن إقامة"، بلا هوية بلدية، ولا خدمات، ولا رؤية.

  ❖ صعود العسكر: حين لم يعد الحيّز السياسي يتّسع لأكثر من البزّة العسكرية

في نهاية الخمسينيات، بدأت الجمهورية الأولى تتفكك تحت ضغط عوامل متراكبة: جهاز دولة هش، نخب مدينية مغلقة، مجتمعات طرفية مهمّشة، وساحة إقليمية تمور بالاستقطاب. في هذا السياق، لم يأتِ صعود المؤسسة العسكرية كقوة طارئة، بل كاستجابة "منطقية" لفراغ سياسي ومدني لم يُملأ. الجيش، بخلاف المؤسسات الأخرى، كان الجهة الوحيدة التي تملك تنظيمًا، موارد، وتسلسلاً قياديًا يَعد بالترقّي الاجتماعي السريع، خصوصًا لأبناء الأرياف والفئات المُبعدة من المركز.

هكذا، تحوّلت الكلية الحربية إلى معبر طبقي، يُدخِل المهمشين إلى بنية الدولة – لا كفاعلين سياسيين، بل كمنفذين. أصبحت الرتبة العسكرية بديلاً عن الشهادة الجامعية، والانضباط بديلاً عن المشاركة. الانقلاب بات أداة تناوب، لا الانتخابات، وأصبحت الدولة تُدار من "مجلس قيادة الثورة" لا من برلمان. لم يعد الحكم ناتجًا عن توازن مصالح بين نخبة ومجتمع، بل عن ميزان قوى داخل مؤسسة مغلقة، تتفاوض باسم "الأمة"، دون أن تعترف بوجود صوت آخر خارج صفوفها.

📍 الأثر المباشر على التحول الحضري:صعود العسكر لم يُعد فقط ترتيب السلطة في المركز، بل أعاد تشكيل الحيّز المكاني بأكمله. فالمؤسسة العسكرية، التي ورثت الدولة، نظرت إلى المدينة كـ"مسرح عمليات"، لا كحقل شراكة. توسّعت الضواحي لتأوي فائض السكان الخارجين من الريف، دون أن تُمنح تمثيلاً أو خدمات، بينما أُعيد تنظيم الفضاء المديني وفق منطق السيطرة لا التكامل. الأحياء خضعت لتصنيفات أمنية، والمنافع خُصّصت حسب الولاء، لا الحاجات. أصبحت البزّة العسكرية، رمزيًا، مرجعية النظام الاجتماعي، كما هي مرجعية السياسة.

❖  الخارج المتواطئ: حين خُنق حلم التصنيع واختنق الحيّز الحضري

في خضمّ الصراع الداخلي الذي شهدته سوريا بعد الاستقلال – بين نخبة مدينية احتكرت القرار ومجتمعات طرفية سُحِبت منها أدوات التمثيل – كان ثمّة مسار موازٍ أقل ظهورًا، لكنه لا يقلّ أثرًا: مسار التقييد الدولي الممنهج لقدرة الدولة على التحوّل إلى اقتصاد إنتاجي مستقل. فمنذ أواخر الأربعينيات، بدأت ترتسم ملامح "النظام العالمي الجديد"، مع نشوء الحرب الباردة واستقطابها للعالم على أسس جيوسياسية واقتصادية غير متكافئة. وبينما كانت شعارات التحرر الوطني تملأ فضاء الخطابات، كانت السياسات الدولية الفعلية تعيد إنتاج التبعية الاقتصادية بصيغ جديدة: مساعدات مشروطة، قروض مقيّدة، واتفاقيات تجارية تُبقي دول الجنوب في خانة المستهلك الأبدي.

لقد تعافت أوروبا الغربية بسرعة مذهلة بفضل خطة مارشال، ودخلت اليابان في دورة تصنيع رعتها الإدارة الأميركية نفسها. أما سوريا، فوجدت نفسها خارج هذه المعادلة، تُعامل لا كدولة ذات حق في التنمية، بل كمنطقة عبور للخامات، وسوق استهلاك مفتوح. لم تكن المؤسسات المالية الدولية – من البنك الدولي إلى صندوق النقد – تسعى لحماية الصناعة الناشئة، بل لفرض "مصفوفة استقرار" تجعل من ضبط الموازنات، ووقف التضخم، أولوية على حساب بناء قاعدة إنتاجية. صار الدعم الدولي مشروطًا بالموقف السياسي من الحرب الباردة، لا بالحاجة الفعلية لتنمية المجتمع. وكلما اقتربت الدولة من سياسات التصنيع أو تأميم الموارد، جُوبهت بضغط خارجي يُهدد الاستقرار المالي، أو بالعزلة، أو بترتيبات إقليمية تمنع تحقق السيادة الاقتصادية.

في هذا السياق، يصبح من المفهوم أن فشل مشروع التصنيع السوري لم يكن فقط وليد الإهمال المحلي أو سوء التقدير، بل نتيجة لمنظومة دولية مُحكمة، لا تعترف للجنوب بحقه في التصنيع، بل تدفعه دفعًا ليبقى مستهلكًا معتمدًا، لا منتجًا مستقلًا. لقد فُرض على سوريا موقع طرفي في سلسلة القيمة العالمية: تُصدّر المواد الخام، وتستورد البضائع المصنّعة، دون حماية جمركية، أو تحفيز استثماري، أو بنية تمويل وطنية تُعوّض غياب الرافعة الدولية.

📍 أثر بدئي على التحول الحضري:انعكس هذا الانسداد الهيكلي على المجال الحضري بشكل مباشر وعميق. فقد نمت المدن لا كنتاج لتوسع صناعي طبيعي، بل كامتداد للاستهلاك والإدارة. لم تُبنِ المدن لتُنتج، بل لتُدار؛ لم تُوسّع لتستوعب نشاطًا اقتصاديًا، بل لتحتوي فائضًا بشريًا مترحلًا من الريف المعزول. غابت المصانع، وندرت المشاريع الإنتاجية، وتركّزت الاستثمارات في قطاعات الخدمات والوساطة والمضاربة العقارية. ومع غياب رؤية وطنية للتصنيع، أو شبكة مواصلات تخدم تنمية الأطراف، بدأت تظهر أحياء سكنية تُبنى على عجل، دون مرافق، دون عمل، ودون أفق.

لم يكن هذا فقط خللاً عمرانيًا، بل تعبيرًا مكانيًا عن إخفاق سياسي اقتصادي مزدوج. فالدولة انسحبت من الفعل الإنتاجي، والمجتمع لجأ إلى حلول فردية للبقاء، بينما فرضت المنظومة الدولية شروطًا تجعل أي مشروع استقلال اقتصادي محفوفًا بالعقوبات أو الإقصاء. وهكذا، صار المجال الحضري حقلًا لانعكاس تلك الهزيمة المركّبة: لا شبكة صناعية وطنية، لا تمكين للأرياف، لا إعادة توزيع عادلة للسكان أو الموارد. وشيئًا فشيئًا، بدأت الأنوية الأولى للعشوائيات في التكوّن – لا كاستثناء، بل كخلاصة منطقية لهذا الترتيب العالمي: فضاءات سكنية غير رسمية تتكوّن في غياب الدولة، وتُدار بعُرف الولاء، وتُنتج التفاوت بدلًا من أن تَحلَّه.

 

❖ من انسداد الجمهورية إلى انبعاث الدولة الأمنية: حين أُغلق باب التحول، فُتح باب الضبط

حين ننظر إلى الجمهورية الأولى من موقعٍ لاحق، لا يبدو فشلها صدفةً مؤسفة، بل نتيجة منطقية لتفاعل معقّد بين نخب داخلية مأزومة، ومجتمع مشطور، ونظام عالمي غير راغب في رؤية الجنوب منتجًا. فالنخبة المدينية حجبت التمثيل السياسي، واحتكرت القرار والموارد، ولم تُنتج جهازًا للدولة بقدر ما ورثت أدوات السيادة من الانتداب وأبقتها على حالها، تستخدمها للضبط لا للبناء. وفي المقابل، لم تُطوّر المجتمعات المحلية طموحاتها نحو دولة المواطنة، بل حافظت على بنيات القرابة والتقليد كآلية بقاء، تعززها الحميمية والعلاقات الاجتماعية الأفقية، لكنها تعيق التحوّل إلى فضاء مدني حديث.

وفيما الدولة تُقصي وتمركز، والمجتمع يتقوقع ويعيد إنتاج ذاته، كان النظام العالمي يُقفل أبواب التصنيع، ويعيد رسم حدود التنمية وفق خرائط الحرب الباردة. وهكذا، وُلد انسداد مزدوج: دولة بلا مشروع، ومجتمع بلا أدوات تمثيل، وعالم بلا أفق عدالة. من هذا الانسداد، نشأت لحظة التفكك، ثم لحظة الاستيلاء – حيث أصبحت المؤسسة العسكرية، بتركيبها الانضباطي وموقعها فوق الاجتماعي، القناة الوحيدة الممكنة لإعادة تنظيم الدولة. لا كأداة تمثيل، بل كجهاز ضبط.

📍 التأثير البدئي على التحول الحضري:هذه اللحظة الحاسمة ستُعيد تعريف المدينة السورية. فالمدن التي فشلت النخبة في تنظيمها كمجال مشترك، ستُعاد هندستها كمجال ضبط. والهامش، الذي بدأ نتيجة لتراكم الفشل، سيُعاد إنتاجه كأداة. ومع غياب السياسة، وحضور الأجهزة، سيتحوّل الحيّ إلى وحدة قياس للولاء، لا للمواطنة. ومن هنا تبدأ قصة "المنطقة الرمادية" التي ستُشكّل قلب السردية في الفصل الثالث.

في المقال المقادم سنمهد للفصل الثالث : سننتقل من لحظة الانسداد إلى لحظة التحوّل. وسنرى كيف أصبح هذا التفاوت المكاني والاجتماعي – الذي بدأ خافتًا وبلا اسم – أداة أساسية في يد الدولة الأمنية، تُعيد عبره إنتاج التبعية، وتُعيد رسم الخريطة الحضرية بما يخدم الضبط لا التمثيل، والفرز لا الإدماج.

سنتتبع في فصل "دولة الضبط: من التفاوت إلى الترويض الحضري" كيف تحوّل الفشل التمثيلي في الجمهورية الأولى إلى هندسة أمنية طويلة الأمد، تُمارس عبر الإسفلت، وتصميم الأبنية، وتراتبية الأحياء. سنتأمل كيف نشأت سلطة تُدير التفاوت، لا تُعالجه، وتُقيم مؤسساتها لا في الدستور، بل في ملمس الحيّ، وقانون الأعيان، وبلاغ المختار.

تعليقات


bottom of page